Reviews
   
ABOUT ME
 
 
 
 
     
           
       
     
 

في الضوء والظل وبينهما الحياة 

عادل خزام 

محمد يوسف...

بطل مسرحية الفن التشكيلي 

 

يعد محمد يوسف علي واحداً من أبرز وأنشط الفنانين الذين عرفتهم الإمارات على مستوى الفن التشكيلي, ولد في إمارة الشارقة في العام 1953 , وعندما  شب قليلاً بدأت تأسره مناظر الطبيعة البحر والمراكب فراح يرسمها بالفطرة مستفيد من نصائح مدرس مادة التربية الفنية الذي كما يقول , أثر فيه بقوة , وخلال نهاية الستينات بدأت تتبلور شخصيته الفنية على أكثر من صعيد بين المسرح الذي عشقه وبين الرسم الذي كان المتنفس الحقيقي لأفكاره وهواجسه وانطباعاته البصرية . 

في مطلع السبعينات, ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة, يتخرج محمد يوسف في الثانوية العامة حاملاً هذه الهواجس معه, فيقرر أن يصقل موهبته بالدراما الأكاديمية ويسافر إلى القاهرة كي ينتسب إلى كلية الفنون الجميلة هناك ويتخصص في النحت على الرغم من المحاذير الكثيرة التي تواجه هذا النوع من الفن تاريخياً واجتماعياً ودينيا, ولكن المغامرة كانت قد تملكته إلى حد الشغف حيث سعى لتجاوز تلك المحاذير من خلال تطويع المادة النحتية كي تكون منسجمة مع محيطة الاجتماعي وقريبة من البيئة والموروث الشعبي وقدم بعد تخرجه في الجامعة في العام 1978 مجموعة من هذه الأعمال التي لاقت بعض الاستحسان ولكنها لم تجد الدعم والمساندة, وخلال هذه الفترة شعر محمد يوسف أن الحياة التشكيلية في الدولة تعاني من فراغ مخيف ولذلك قام بدور فاعل في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي أشهرت في العام 1980 وترأس مجلس إدارتها ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى اليوم. 


دور مسرحي: 

ولم تقف مجهودا ته عند هذا الحد فقط, فهو إلى جانب حضوره الفني واختبار تجربته باستمرار, يعد مؤسس قسم الخزف الصيني في وزارة التربية والتعليم وأحد المساهمين في تنظيم بينالي الشارقة الدولي حيث ترأس لجنته الدولية في دورته الأولي إلى جانب لجنة العلاقات العامة, وله مجهودات أخرى في تأسيس عدد من الجماعات الفنية داخل الإمارات, أما من ناحية المسرح فدوره يكاد يكون مشابهاً, فهو يعد أحد مؤسسي مسرح الشارقة الوطني في العام 1974, وترأس مجلس إدارته لأكثر من خمس سنوات وشارك كممثل ومصمم ومنفذ ديكور في أكثر من 14 مسرحية إضافة إلى مساهمته في تأسيس الفرقة القومية للمسرح ومهرجان أيام الشارقة المسرحية ونشاطات أخرى في الإذاعة والصحافة. 

وعلى زملائه من الفنانين الذين درسوا النحت ثم هجروه وانتقلوا إلى اللوحة المقبولة اجتماعياً, ظل محمد يوسف مخلصاً لفنه وكان يشارك في جميع المحافل الفنية داخل الإمارات وخارجها محاولاً كسر القطيعة القائمة بين النحت والجمهور ودفعه هذا الإصرار إلى مواصلة دراسته الفنية في جامعة (وبسترميسوري ) في الولايات المتحدة التي منحته درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى بعد أن قدم مشروعاً فنيا شاملاً تمثل في تفكيك كتلة النحت التقليدية واعتماد عناصر جديدة مستوحاة من البيئة مع ربطها بمفاهيم الحركة والزمن حيث عادت مشاهد البحر والمراكب والأشرعة والذكريات لتكون مادة أساسية في أعماله التي قدمها في السنوات الأخيرة معبراً فيها عن عمق ارتباطه وعشقه للمكان والوطن. 

ولا يجد محمد يوسف نفسه في مدرسة فنية بعينها, لكنه لا يخفي تأثره بأفكار الفن المفاهيمي التي تقول بوجود منطقة وسطية ما بين الرسم والنحت, وهذه المنطقة يمكن أن تقبل تداخل العديد من الأفكار والمدارس لإبداع لغة ثالثة تنتمي في النهاية إلى مفهوم الفنان نفسه عن الفن, وربما لذلك تبدو أعمال محمد يوسف وكأنها تنتمي إليه وحده, وإلى مكانه وبيئته ويتداخل فيها مفهوم النحت مع أشياء أخرى كثيرة. 

وقياساً بهذا الدور الكبير الذي لعبه محمد يوسف, فإن الجوائز التي نالها تبدو شحيحة جداً, وربما لم يلتفت إليها من تلفاء نفسه لانشغاله بمشروع الفن كحياة عامة وليس مجرد عملية أنتاج فني, فهو أول فنان محلي يفوز بجائزة معرض الشباب على مستوى الدولة عام 1980, وأول فنان محلي يفوز بجائزة تقديرية في معرض الفنانين العرب في الكويت في عام 1979, إضافة إلى جائزة التميز في النحت التي نالها في معرض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية الثالث عشر. 

محمد يوسف.. فنان مخلص, أعطى للفن الكثير ولا يزال يتفانى في نشر قيم الجمال وتهذيب الذوق الإنساني.