Reviews
   
ABOUT ME
 
 
 
 
     
           
       
     
 

مسرح الشارقة الوطني في عقدين من الزمان 

عبد الله عبد لقادر 

بداية الحكاية 

 

كان ذلك التمهيد ضرورياً جداً للقارئ ليتلمس أوليات وظروف المسرح بشكل عام, لأننا لا نستطيع أن نلج في حكاية مسرحنامسرح الشارقة الوطنيدون المرور بتلك الفترات, والظروف التي أحاطت بالإنسان والمنطقة, ودون تلمس صعوبات العمل المسرحي بل الحياة برمتها, بل والتعرف على النوابض والمفاصل التي شهدها المسرح في الإمارات. 

كان محمد يوسف أحد مؤسسي مسرح الشارقة الوطني شاباً يحلم بوطن جميل مطرز بلوحات فنية, وسيمفونية خالدة, ومسرح ترقص ستائره, وكان من أوائل الطلبة الذين قرروا دراسة الفن التشكيلي, فيشد الرحال إلى مصر عاصمة الفن العربي, وحلم كل فنان ليؤسس لنفسه ولوطنه ويصبح من أوائل الفنانين الذين أكملوا دراستهم الجامعية الفنية وتخصص في الفن التشكيلي. 

محمد يوسف (22) كان مشطوراً إلى إنسانين, أحدهم يعيش في القاهرة ليتعلم, والآخر بتابع ما يفعله الآخرون في وطنه, أو بالا حرى يعيش مع كل التحولات السريعة التي طرأت على مجتمع الإمارات, إنها حالة إنسان يحب أرضه, ويتناسب مع كل التطورات الضخمة في أرض لم تعرف تلك الحياة. 

أما علي خميس .. زميلهما الحالم في الفن ... وأحد المؤسسين لمسرح الشارقة الوطني .. فكان له اتجاه آخر .. كان هذا الشاب يمثل انعكاسات التي بدأت تظهر إفرازاتها, خاصة في إطار الفن الوافد من آسيا, وعلى وجه الخصوص الأفلام الهندية في أوج تطورها وتأثيرها الجماهيري . 

أما محمد حمدان المؤسس الأول والفاعل الحقيقي لمسرح الشارقة الوطني, فكان هو الأساس الذي كان يركن له, بل هو العقل الرزين المتوازن الذي يمكن أن يفكر بعيداً عن العواطف, أي الرجل العقلاني والمخطط لمجموعة واسعة من (الحالمين) وفي الوقت نفسه القادر على إسناد الفكرة مادياً, والمتحمس لبناء مسرح في الشارقة يمكن أن يكون رائداً ذات يوم, وقد تحقق له هذا الحلم بعد سنوات, وحول هذا الرجل كان يتجمع العديد من هواة المسرح: علي خميس, محمد يوسف, عبد الله المناعي, عبد الله كتاب.

 

وهناك الآخرون الذين اضطروا للهجرة مع ذويهم إلى دول المنطقة قبل مرحلة النفط طلباً للعمل والعيش, والذين بدأت قوافلهم تعود إلى أهلهم وأرضهم, وبدأ الفريج يستقبل أصحابه مجدداً لتتعمر بيوت هجرات أضراراً, ولتساعد تصورات وطموحات العائدين على تراكمات الأحلام والتصورات والأماني, ولتجتمع كل تلك الارادات في إرادة واحدة هي تحقيق الحلم . 

وفي هذا الإطار كانت جمعية الفنون الشعبية في الشارقة قد بدأت تستقطب هؤلاء المسرحيين, وكانت خيمتهم التي يجتمعون تحتها, ومن هنا بدأوا يفكرون بالفرقة المسرحية, يقول عبد الله المناعي في حديث له (23) : ( كنا أعضاء في جمعية الشارقة للفنون الشعبية حينما بدأ عدد من الشباب طموحاتهم لتكوين فرقة مسرحية, منهم محمد حمدان, علي خميس, إبراهيم بردان, غصن سالم, محمد إبراهيم فراشه, محمد يوسف, راشد السويدي, محمد الحمر, ماجد السويدي, وعبد الله كتاب, فبدأنا من خلال علاقتنا الشخصية وحياتنا المدرسية, وكنا نجتمع أحياناً في الفريج وكان هذا عام 1972 . 

ويصف عبد الله المناعي مقر جمعية الشارقة حينذاك فيقول: ( أول مرة ذهبت فيها إلى جمعية الشارقة للفنون الشعبية عام 1972 وكانت في الواقع خيمة مغلقة من الخيش, وهناك التقيت بكبار السن من الفنانين الشعبيينالكبارأمثال أبو سماح, وسعيد بن خميس ) . 

في جمعية الشارقة للفنون الشعبية تحاول هذه المجموعة من الشباب العاشق للمسرح أن تكون فرقة مسرحية تشكل جزء من حلمها, اتفقوا على أن يقدموا عملاً مسرحياً كانت مادته الكتابية حياتهم ومشاكل مجتمعهم حينذاك, وسمو المسرحية ( أين الثقة ؟) وقدمت هذه المسرحية ولم يكن هناك بناية مسرح بالمعنى الفني, ولا خشبة مسرح, إنما مجرد (دكة عالية ) كما يذكر عبد الله المناعي في حديثه, وقد تم عرض المسرحية على هذه الدكة, ولكن سرعان ما اختلف هؤلاء الشباب مع عناصر الجمعيةيقول عبد الله المناعيعن أسباب هذا الخلاف: ( لأننا كنا شباباً لنا أهدافنا وتوجهاتنا ولهم عوالمهم ( 24) . 

أما علي خميس بالإضافة إلى تأييده لما طرحه عبد الله المناعي يجد أن السبب المباشر لهذا الاختلاف ثم الانفصال تم عل أثر ( سوء تفاهم مع إدارة الجمعية أضطر محمد حمدان رئيس مجموعتنا المسرحية إلى ترك الجمعية, وكنا يومها نقدم برنامجاً تلفزيونياً بعنوان ( الرسالة) من إخراج محفوظ المغازي وكنا كل يوم خميس نضطر للذهاب إلى أبو ظبي لتسجيل البرنامج, وهنا بدأت إدارة الجمعية بخصم المكافآت التي كنا نأخذها من تلفزيون أبو ظبي ) (25) . 


إذاً كان الاختلاف كان قد نتج عن عاملين واستنادا لحواري الزميلين ( عبد الله المناعيوعلي خميس) الذين عاصرا تلك الفترة : الأول الاختلاف بين جيلين في التفكير والعمل والتوجهات, جيل من الشباب يحاول أن يبني تجربة تتناسب مع طموحاته وطموحات بلد يعيش ثورة عمرانية وحضارية لم تشهدها منطقة في العالم من قبل فالصحراء القاحلة بدأت تتلون وترسم صورة جديدة لها نابضة بكل معاني الحياة, والتصحر الذي كان يزحف على الناس تحول إلى بساط أخضر موشي بالورود المختلفة والثمار الجديدة . 

أما العامل الثاني فهو العامل الذي حاول البعض استغلاله, ومشاركة مجموعة من الشباب كانت تبذل من وقتها وأعصابها وجهدها لتقدم شيئاً جديداً ومجموعة أخرى تحاول استغلال جهدهم للمشاركة تحت مبررات مختلفة . 

وإزاء هذا الاختلاف تم انفصال مجموعة كبيرة من الشباب, حينما لم يجدوا مكاناً لتجمعهم وللبدء في تحقيق أحلامهم لجأوا إلى منطقة خارج مدينة الشارقة حينذاك, وهي منطقة الفلج المقابلة لدوار الثقافة (حالياً), هناك كان يجتمع هؤلاء الشباب نذكر منهم ( عبد الله المناعي, علي خميس, عبد الله كتاب, محمد حمدان, وغيرهم ) (27), في هذا الفلج كان هؤلاء الشباب يحاولون أن ينظموا عملهم لتقديم مسرحية ما, وكان عليهم أن يقرؤوا النصوص ولأن المنطقة لم تكن قد سكنت أو عمرت حينذاك, ولم تكن الكهرباء قد وصلتها إذ كانت امتدادا لصحراء, فقد كان المجتمعون يضطرون لإنارة المنطقة بالسيارات الخاصة بهم, لا سيما وأن اجتماعاتهم كانت تتم ليلاً (27) . 

وبعد تلك التجمعات التي تمت تحت شجرة في منطقة الفلج, التي أصبحت الآن مركزاً يجمع معظم بنايات المؤسسات الثقافية في الشارقة, تبرع محمد حمدان بمكتبة في شركته الإنشائية ليكون مقراً لقرقتنا التي نكتب عنها, وكما يقول عبد الله المناعي فقد كان مكتب محمد حمدان في بناية الشيخ خالد القاسمي في شارع العروبة, أذ كان مكتب الشركة يحول ليلاً إلى مكان للتمارين المسرحية, وكان ذلك في حوالي العام 1973 كما يذكر عبد الله المناعي (28) في حديثه, وفي هذا المكتب كان يجتمع كل مساء مجموعة من محبي المسرح منهم, ( عبد الله المناعي, علي خميس, عبد الله كتاب, عبد العزيز الفضلي, محمد حمدان, غصن سالم, عارف إسماعيل, ومن ثم فريد حسن وعبد الله السعداوي) وذلك حسب رواية على خميس ( 29) . 

 

بعد ذلك تم استئجار فيلا صغيرة في منطقة القادسية, بدعم من الديوان الأميري وبمبادرة من عبد الله العباسي الذي أنضم إلى المجموعة, وكان المقر خلف المستشفى الكويتي, ولأول مرة رفعت لاقته باسم المسرح الذي اتفق عليه وهو ( المسرح الوطني بالشارقة), ومن إضاءات هذه الفترة أيضاً انضمام عبد الرحمن الصالح لهذه المجموعة وتحمسه للعمل, وكان عبد الرحمن قد رجع تواً من الكويت, وهناك ( أي في الكويت) قد بدأ تجربة ناجحة في مجالات المسرح والإذاعة والسينما مع مجموعة من الفنانين الكويتيين الرواد مثل الراحل صقر الرشود, وعبد العزيز السريع, وغيرهما من رموز الفن والمسرح الكويتي في تلك الفترة, وقد شكل انضمام عبد الرحمن الصالح لهذه المجموعة عاملاً مشجعاً ودافعاً كبيراً لنشاطهم سنلمس ذلك لاحقاً في حديثنا عن هذا الدور. 

وفي هذه الفترة أيضاً واصلت المجموعة عملها في خطين في آن واحد.